الشوكاني
322
فتح القدير
في ليلة لم يحاجه القرآن : وقال كعب : من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين ، وقال سعيد : خمسون آية ، وقيل معنى ( فاقرءوا ما تيسر منه ) فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ، والصلاة تسمى قرآنا كقوله - وقرآن الفجر - قيل إن هذه الآية نسخت قيام الليل ونصفه ، والنقصان من النصف ، والزيادة عليه ، فيحتمل أن يكون ما تضمنته هذه الآية فرضا ثابتا ، ويحتمل أن يكون منسوخا لقوله - ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا - . قال الشافعي : الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين ، فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس : وقد ذهب قوم إلى أن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق أمته . وقيل نسخ التقدير بمقدار ، وبقي أصل الوجوب . وقيل إنه نسخ في حق الأمة ، وبقي فرضا في حقه صلى الله عليه وآله وسلم ، والأول القول بنسخ قيام الليل على العموم في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق أمته ، وليس في قوله ( فاقرءوا ما تيسر منه ) ما يدل على بقاء شئ من الوجوب لأنه إن كان المراد به القراءة من القرآن فقد وجدت في صلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من النوافل المؤكدة ، وإن كان المراد به الصلاة من الليل فقد وجدت صلاة الليل بصلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوع . وأيضا الأحاديث الصحيحة المصرحة بقول السائل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل على غيرها ، يعني الصلوات الخمس ؟ فقال لا : إلا أن تطوع تدل على عدم وجوب غيرها . فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته على الأمة كما ارتفع وجوب ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله - ومن الليل فتهجد به نافلة لك - قال الواحدي : قال المفسرون في قوله - فاقرءوا ما تيسر منه - كان هذا في صدر الإسلام ، ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين ، وثبت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، وذلك قوله - وأقيموا الصلاة - . ثم ذكر سبحانه عذرهم فقال ( علم أن سيكون منكم مرضى ) فلا يطيقون قيام الليل ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) أي يسافرون فيها للتجارة والأرباح يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم فلا يطيقون قيام الليل ( وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) يعني المجاهدين فلا يطيقون قيام الليل . ذكر سبحانه ها هنا ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص ، ورفع وجوب قيام الليل ، فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم . ثم ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال ( فاقرءوا ما تيسر منه ) وقد سبق تفسيره قريبا ، والتكرير للتأكيد ( وأقيموا الصلاة ) يعني المفروضة ، وهي الخمس لوقتها ( وآتوا الزكاة ) يعني الواجبة في الأموال . وقال الحارث العكلي : هي صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك ، وقيل صدقة التطوع ، وقيل كل أفعال الخير ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) أي أنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقا حسنا ، وقد مضى تفسيره في سورة الحديد . قال زيد ابن أسلم : القرض الحسن النفقة على الأهل ، وقيل النفقة في الجهاد ، وقيل هو إخراج الزكاة المفترضة على وجه حسن ، فيكون تفسيرا لقوله ( وآتوا الزكاة ) والأول أولى لقوله ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) فإن ظاهره العموم : أي أي خير كان مما ذكر ومما لم يذكر ( هو خيرا وأعظم أجرا ) مما تؤخرونه إلى عند الموت أو توصون به ليخرج بعد موتكم ، وانتصاب خيرا على أنه ثاني مفعولي تجدوه ، وضمير هو ضمير فصل ، وبالنصب قرأ الجمهور ، وقرأ أبو السماك وابن السميفع بالرفع على أن يكون هو مبتدأ وخير خبره ، والجملة في محل نصب على أنها ثاني مفعولي تجدوه . قال أبو زيد : وهي لغة تميم يرفعون ما بعد ضمير الفصل ، وأنشد سيبويه : تحن إلى ليلى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملاء أنت أقدر وقرأ الجمهور أيضا " وأعظم " بالنصب عطفا على خيرا : وقرأ أبو السماك وابن السميفع بالرفع ، كما قرأ برفع